اسماعيل بن محمد القونوي

129

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

دعا بهذا الدعاء في ذلك المكان لا في غيره فلا يضره كون دعائه بغير ذلك في غير ذلك المكان وإن أبيت عن الحصر الحقيقي فاجعله إضافيا وكذا الكلام إن أريد به الوقت . قوله : ( في ذلك المكان أو الوقت إذ يستعار هنا وثم وحيث للزمان ) والعلاقة المشابهة فإن الحوادث كما لا تخلو عن الزمان لا تخلو عن المكان ولو أريد بالعموم المجاز لكان أفيد ولا بعد أن يكون أو لمنع الخلو وإنما ساغ المجاز مع إمكان الحقيقة لأن القرينة إذا كانت ضعيفة جاز الأمران بالنظر إلى وجود القرينة ساغ المجاز وبالنظر إلى ضعفها يصار إلى الحقيقة والقرينة هنا قوله : كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها [ آل عمران : 37 ] فإنه لعموم الأوقات وبالنظر إلى السابق إرادة الوقت أنسب وضعفه ظاهر . قوله : ( لما رأى كرامة مريم ومنزلتها من اللّه ) علة دعائه هنالك لما ذكرنا من أن إجابة الدعاء في وقت رؤية الأمر الحسن الغريب ومكانه مظنونة أي رغب في أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد حنة في الكرامة عند اللّه تعالى وإن كانت عجوزا عاقرا إذ قد كانت حنة كذلك وبهذا البيان زال الإشكال بأن منزلة زكريا عليه السّلام عند اللّه أعلى وأقوى من مريم ( قالَ رَبِّ ) بيان للدعاء فلذا ترك العطف واختيار الرب أوقع لأن الهية المذكورة من آثار التربية قوله : هَبْ لِي مثل قوله رب اشرح لي من لدنك من فضلك « 1 » وجودك وهو تأكيد لما فهم من هب لي لمزيد التضرع ذرية طيبة ترث علمي ونبوتي اخرها مع أنها المقصود لأن فيما قدمه مزيد استعطاف واسترحام . قوله : ( كما وهبتها لحنة العجوز العاقر ) وهذا توسل بهبة حنة إلى هبة ما طلبه بأن المدعو به وإن لم يكن معتادا فإجابته معتادة وأنه أطمعه بهبة حنة ذرية طيبة فيما رام له ومن حق الكريم أن لا يخيب من أطمعه وقيل لما رأى الفواكه لأنه رأى فاكهة الشتاء في الصيف وبالعكس قوله على جواز بناء على تضمين انتبه معنى اطلع وجه الانتباه كونه ما خارق عادة ومرضه لأن الانتباه المذكور يقتضي سيق الغفلة عن ذلك الجواز وهذا لا يناسب منصب النبوة على أن الانتباه لذلك الجواز من ولادة حنة لأنها عاقر عجوز أظهر وأقوى فلا وجه لهذا الكلام أصلا قال النحرير التفتازاني من جهة أن الولد بمنزلة الثمر والعقر بمنزلة غير قوله : لما رأى الفواكه في غير أوانها أنبته على جواز ولادة العاقر قال بعضهم لما رأى فاكهة الشتاء في الصيف وبالعكس علم أنه زمان أن تقع فيه الأمور الخارقة للعادة فجوز فيه ولادة العاقر وفيه نظر لأن خرق العادة لا اختصاص له بزمان دون زمان وقيل قاس الحيوان على النبات فإن الأشجار المثمرة في الشتاء في الصيف كالعاقر من الحيوان وكذا عكسه فإذا أمكن ذلك أمكن ولادة العاقر ورد بأنه قياس غير موقت على موقت وبأنه لو كان كذلك لما استعيدها عند البشارة بقوله : وَامْرَأَتِي عاقِرٌ [ آل عمران : 40 ] .

--> ( 1 ) فإن مثله لا يرجى إلا من فضلك وكمال قدرتك فإني وامرأتي لا نصلح للولادة بحسب العادة .